المجلة في نظر الطالب

 

 

محمد بن سلطان الساعدي

 

بهذا العنوان أعود إلى الوراء قليلًا… وهذا "القليل" يتجاوز 30 عامًا مما تعدّون، كأنه كان بالأمس. هناك، في أروقة مدرسة المهلب بن أبي صفرة، بدأت أولى محاولاتي في ملامسة عالم الكتابة، أيام جميلة ما زالت عالقة في الذاكرة، لا لأنها كانت فصول دراسة فحسب، بل لأنها كانت بدايات الوعي، وأول احتكاك بالحلم.

يبقى لكل واحدٍ منا صندوق صغير في الذاكرة، نخبئ فيه أيام الدراسة… تلك السنوات التي تمر خفيفة كنسمة صباح، لكنها تترك أثرها عميقًا في القلب. هي من أجمل سنين العمر، لأنها لم تكن مجرد دفاتر وسبورة، بل كانت صداقات بريئة، وضحكات الفسحة، وأول الدروس في الحياة قبل أن تكون دروسًا في الكتب.

لم أدّعِ يومًا أنني كاتب، لكنني كنت- وما زلت- أضعُ نفسي في زاوية المعجبين بالكلمة، أولئك الذين يتشبثون بها طلبًا لبركاتها. ومن هنا أوجّه رسالة صادقة لمُعلمي اليوم: إن الحافز يصنع المعجزات. كلمة تشجيع، نظرة تقدير، أو تصفيق صغير قد تبقى محفورة في قلب الطالب إلى الأبد، فشجّعوا أبناءكم، واتركوا بصمة لا تُنسى في أجيال المستقبل.

ما تسعفني به الذاكرة من تلك المرحلة الإعدادية أنني كنت من هواة التعبير، خصوصًا في الاختبارات حين يُعطى موضوع للكتابة. كان ذلك سؤالي المفضل؛ أمسك القلم فيندفع بلا توقف، تمتد الصفحات، وتأتي الدرجات كاملة، كأن الحروف كانت تعرف طريقها وحدها.

في أحد الأيام، وصل إلى مدرستنا الأستاذ عثمان، وهو من المعلمين المصريين الذين وفدوا إلى السلطنة في بدايات النهضة الحديثة. وللمفارقة، بدأت علاقتي به على غير ما يُشتهى؛ كنت ضعيفًا في مادة الرسم، تتراجع درجاتي، وتسيطر على العلاقة مسافة من التحدي والنفور، حتى جاء اليوم الذي قرر فيه إنشاء صحيفة حائط. جمع طلاب الصف، ووزّع المهام: من يختار قصاصة رياضية، ومن يكتب، ومن يرتّب، ثم طرح فكرة كتابة افتتاحية للصحيفة.

رفعت يدي دون أن أعرف من أين أتتني الجرأة، فقال: سيكون عنوان الكلمة «المجلة في نظر الطالب»، وستكون أنت كاتبها.

كتبت يومها مقالًا طويلًا، لا أذكر تفاصيله كاملة، لكنني أتذكر أنني أشدت فيه بدوره، وبحرصه على مادة الرسم، واهتمامه بالنهوض بمواهب الطلاب. كان لذلك المقال وقع خاص في قلبه، وربما كانت تلك الكلمات الصادقة سببًا في أن تتغير درجاتي طوال العام إلى الأفضل، وأن تتحول العلاقة بيننا من خصام صامت إلى تقدير متبادل.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، ففي يومٍ دخلت غرفة المدير- وهي غرفة لا يدخلها الطالب إلا لضرورة- وكان مديرنا آنذاك الأستاذ محفوظ بن مناخر الفارسي- رحمه الله- وقد كانت فترته بالنسبة لنا عصرًا ذهبيًا. فوجئت بالمقالة معلّقة خلف مكتبه، بعنوانها واسمي واضحين. لا أستطيع وصف شعوري في تلك اللحظة: فرح خالص، وفخر صغير، ومعنويات اشتعلت في داخلي. كانت تلك اللحظة كافية لتقول لي إن الكلمة يمكن أن تفتح أبوابًا، وأن التشجيع قد يغيّر مسار طالب.

وبفضل تلك المقالة بقيت درجاتي في مادة الرسم مرتفعة طوال السنة، والأهم من ذلك أنني تعلمت درسًا لا يُدرّس في المناهج: أن المعلم الذي يؤمن بطالبه يصنع منه إنسانًا واثقًا، وأن كلمة طيبة في وقتها قد تظل ترافق صاحبها العمر كله.

وهكذا تبقى بعض اللحظات الصغيرة أكبر من أعمارها، وتظل بعض الأسماء محفورة في الذاكرة لأنها قالت لنا في وقت مبكر: أنت قادر. ولم تكن «المجلة في نظر الطالب» مجرد مقالة عُلّقت على جدار، بل كانت نافذة أطللتُ منها على ذاتي للمرة الأولى، واكتشفت أن للكلمة قوة، وللتشجيع جناحين. ومنذ ذلك اليوم أدركت أن المدارس لا تصنع المتعلمين فقط، بل تصنع القصص أيضًا… وأن المعلم الحقيقي هو من يزرع في طلابه بذرة الثقة، ثم يتركها تكبر في صمت، حتى تثمر يومًا ما، حروفًا، وذكريات، وامتنانًا لا يشيخ.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z